RONAK
Back to Journal

بحث في علم أمراض باركنسون

٢٩ أكتوبر ٢٠٢٥
3 دقيقة قراءة
بحث في علم أمراض باركنسون

علم أمراض باركنسون: كيف ينشأ هذا المرض وكيف يتقدّم؟
داء باركنسون اضطراب عصبي تنكّسي تدريجي يؤثر في حياة أكثر من 12 مليون شخص حول العالم. يتقدّم تدريجيًا في الجسم، ومع تدهور الخلايا العصبية الدماغية تظهر مشكلات متعددة—أبرزها الاضطرابات الحركية. ومع ذلك، فإن أعراض باركنسون تتجاوز صعوبات الحركة وتمتد لتؤثر في جوانب عديدة من الحياة اليومية للمريض. لفهم سبب حدوث باركنسون، يجب إلقاء نظرة أدق على بنية الدماغ ودور بعض النواقل العصبية والعوامل التي تُطلق هذه العملية.

الأعراض والتأثيرات في الجسم

يتظاهر باركنسون بأعراض حركية مثل ارتعاش اليدين أو الجسم، وتيبس العضلات، وبطء إنجاز المهام اليومية مثل إغلاق الأزرار أو المشي، وعدم الثبات أثناء الوقوف والمشي. لكن هذا جزء من الصورة فقط. فالكثير من المرضى يعانون أيضًا من قلة تعابير الوجه، وصعوبات البلع، وضعف شدة وبحّة الصوت، وتشوش الرؤية، وصعوبة فتح الجفون، أو مشية جرّ القدمين بخطوات قصيرة مع «تجمّد» عند بدء الحركة. إضافة إلى ذلك قد يسبب المرض اضطرابات النوم وتبدل المزاج وحتى الاكتئاب أو القلق، ما يبرهن على اتساع تأثيره في الجسد والنفس.

الجذور الدماغية للمرض

تنشأ المشكلة في العقد القاعدية، وهي مركز يتحكم بتنسيق الحركة ويتواصل مع القشرة المخية (للتخطيط واتخاذ القرار) ومع المهاد (لتنعيم وتنسيق الحركة). وفي قلب العقد القاعدية توجد المادة السوداء التي تضم عصبونات متخصصة تنتج الدوبامين. يعمل الدوبامين رسولًا كيميائيًا يساعد الدماغ على ضبط الحركة بدقة، ويولّد الشعور بالمتعة ويعزز الدافعية، وذلك عبر الارتباط بمستقبلات نوعية في الدماغ.

في الحالة الطبيعية، يعدّل الدوبامين مسارين رئيسيين للحركة: المسار المباشر الذي يقوّي ويسرّع الحركة (كزيادة السرعة من المشي إلى الركض)، والمسار غير المباشر الذي يمنع التباطؤ المفرط للحركة (كالتوقف الهادئ بعد الركض). يضمن التوازن بين هذين المسارين حركة سلسة ومنسّقة.

ماذا يحدث في باركنسون؟

في داء باركنسون يؤدي الموت التدريجي لعصبونات المادة السوداء المنتجة للدوبامين إلى انخفاض مستوياته الدماغية، ما يخلّ بالتوازن بين المسار المباشر وغير المباشر. يضعف المسار المباشر فلا يدعم الحركة كما ينبغي، بينما يفرط نشاط المسار غير المباشر. ينخفض بذلك نشاط القشرة الحركية المسؤولة عن تنفيذ الحركات، فتظهر البطء الحركي وعدم التناسق وصعوبة أداء المهام اليومية كالنهوض والمشي.

عادةً، عند مراجعة المريض للطبيب يكون نحو 70٪ من العصبونات المنتجة للدوبامين قد فُقدت. ففي المراحل الأولى تبقى مخزونات من الدوبامين تخفي الأعراض، لكن مع تناقصها تظهر العلامات تدريجيًا ويتقدم المرض.

دور نواقل كيميائية أخرى

على الرغم من أن نقص الدوبامين سمة أساسية، إلا أن نواقل أخرى تشارك أيضًا مثل الأستيل كولين (للمهارات الحركية الدقيقة والتناسق) الذي قد ينخفض، والسيروتونين (للمزاج وجودة النوم) الذي قد يختل. هذا يفسر ظهور اضطرابات النوم وتبدلات المزاج والاكتئاب والقلق إضافة إلى المشاكل الحركية.

عوامل الخطورة والوقاية

السبب الدقيق غير معروف، لكن عدة عوامل قد تسهم فيه: الوراثة (وجود حالات عائلية يزيد الخطر قليلًا)، والتعرض للسموم البيئية كالمبيدات وبعض المواد الكيميائية. في المقابل، قد تكون بعض العادات واقية نسبيًا مثل شرب القهوة، والتدخين (على الرغم من أضراره العامة، إلا أنه يبدو واقيًا هنا)، وممارسة الرياضة بانتظام، واستخدام مضادات الالتهاب اللاستيرويدية مثل الإيبوبروفين.

الخلاصة

يبدأ باركنسون بتنكّس العصبونات المنتجة للدوبامين في المادة السوداء واختلال توازن مسارات الحركة. لا يقتصر الأثر على الحركة فحسب، بل يمتد—عبر تورط نواقل أخرى كالأستيل كولين والسيروتونين—إلى اضطرابات النوم والمزاج. ورغم طبيعته التقدمية، فإن فهم هذه الآليات والعوامل المرافقة يساعد في تحسين التدبير ورفع جودة حياة المرضى.

Share: